ابن تيمية
38
منهاج السنة النبوية
وَاللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ الْعِبَادِ ، إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ ، وَنَهَاهُمْ عَمَّا يَضُرُّهُمْ فَهُوَ مُحْسِنٌ إِلَى عِبَادِهِ بِالْأَمْرِ لَهُمْ ، مُحْسِنٌ ( 1 ) لَهُمْ بِإِعَانَتِهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ عَالِمًا صَالِحًا أَمَرَ النَّاسَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ ، ثُمَّ أَعَانَ بَعْضَ النَّاسِ ( 2 ) عَلَى فِعْلِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَلَمْ يُعِنْ آخَرِينَ ، لَكَانَ مُحْسِنًا إِلَى هَؤُلَاءِ إِحْسَانًا تَامًّا ، وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لِمَنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلَيْهِ . وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ عَاقَبَ الْمُذْنِبَ ( 3 ) الْعُقُوبَةَ الَّتِي يَقْتَضِيهَا عَدْلُهُ وَحِكْمَتُهُ ( 4 ) ، لَكَانَ [ أَيْضًا ] مَحْمُودًا عَلَى هَذَا وَهَذَا ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ حِكْمَةِ [ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ] ، وَأَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ ( 5 ) ؟ ! . فَأَمْرُهُ ( 6 ) لَهُمْ إِرْشَادٌ وَتَعْلِيمٌ وَتَعْرِيفٌ ( 7 ) بِالْخَيْرِ ، فَإِنْ أَعَانَهُمْ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ كَانَ قَدْ أَتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْمَأْمُورِ ، وَهُوَ مَشْكُورٌ عَلَى هَذَا وَهَذَا ، وَإِنْ لَمْ يُعِنْهُ وَخَذَلَهُ حَتَّى فَعَلَ الذَّنْبَ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ أُخْرَى ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَلْزِمَةَ تَأَلُّمِ هَذَا ، فَإِنَّمَا تَأَلَّمَ بِأَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُورِثَهُ نَعِيمًا أَوْ أَلَمًا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْإِيرَاثُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ، فَجَعَلَهُ الْمُخْتَارَ ( 8 ) مُخْتَارًا مِنْ كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ ، وَتَرْتِيبِ آثَارِ الِاخْتِيَارِ عَلَيْهِ مِنْ تَمَامِ حِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ .
--> ( 1 ) أ ، ع : مُحْسِنًا ، وَفِي ( م ) ، ( ن ) : بِالْأَمْرِ لَهُمْ وَبِإِعَانَتِهِمْ . ن : وَبِإِعَانَتِهِ . ( 2 ) ن ، م : ثُمَّ أَعَانَ بَعْضَهُمْ . ( 3 ) ن ، م : الْمُذْنِبِينَ . ( 4 ) ب ، أ : وَحُكْمُهُ . ( 5 ) ن ، م : لَكَانَ مَحْمُودًا عَلَى فِعْلِ هَذَا وَهَذَا ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ حِكْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ . ( 6 ) ب ، أ : وَأَمْرُهُ . ( 7 ) ب ، أ : وَتَعْرِيفُهُمْ . ( 8 ) ب ، أ : لِلْمُخْتَارِ .